حسن النجار يكتب: من الأمن إلى الاقتصاد.. رسائل الأوكتاجون ترسم مستقبل مصر
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم والمختص في الشؤون اسياسية الدولية
حسن النجار – يكتب
هناك خطابات تُلقى لتواكب حدثًا بعينه، وأخرى تُسجل في ذاكرة الدول لأنها تؤسس لمرحلة جديدة، وما جاء في كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة “الأوكتاجون” ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. فالرسائل التي حملها الخطاب لم تكن مجرد توجيهات تنفيذية أو تكليفات حكومية، وإنما بدت أقرب إلى إعلان رؤية متكاملة لإعادة صياغة أولويات الدولة المصرية في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
واختيار “الأوكتاجون” ليكون منصة لإطلاق هذه الرسائل لم يكن، في تقديري، اختيارًا بروتوكوليًا، بل يحمل دلالة سياسية عميقة. فالمكان، كما الكلمات، يبعث برسائل لا تقل أهمية عن مضمون الخطاب نفسه.
والحديث من داخل أكبر مركز للقيادة والسيطرة وإدارة الأزمات يعكس اتساع مفهوم الأمن القومي، بحيث لم يعد مقتصرًا على القوة العسكرية، بل أصبح يشمل الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والأمن الغذائي، والحوكمة، والإدارة، والابتكار، وتنمية الإنسان.
لقد تغيرت معايير القوة في القرن الحادي والعشرين، فلم تعد تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الترسانة العسكرية، وإنما بقدرة الدول على إنتاج المعرفة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز تنافسية اقتصادها، وتأمين احتياجات شعوبها، وبناء مؤسسات قادرة على مواجهة الأزمات العالمية بكفاءة ومرونة.

ومن أبرز الرسائل التي حملها الخطاب، الإعلان الضمني عن الانتقال إلى مرحلة اقتصادية جديدة عقب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي. فهذا التوجه لا يعني استبدال برنامج بآخر فحسب، بل يعكس تحولًا في فلسفة إدارة الاقتصاد،
من التركيز على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي إلى بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تحقيق نمو مستدام، وتعميق التصنيع، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل حقيقية، وتعزيز تنافسية مصر في الأسواق العالمية.
إنها رؤية تستهدف الانتقال من اقتصاد يواجه الأزمات إلى اقتصاد يصنع الفرص، ومن معالجة التحديات اليومية إلى بناء مزايا استراتيجية طويلة المدى تعزز قدرة الدولة على النمو والاستمرار.
وفي السياق ذاته، جاء التأكيد على الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية من برنامج تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية، ليؤكد استمرار التوجه نحو تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للنمو والاستثمار.
فالدولة الحديثة لا يُقاس نجاحها بحجم ما تمتلكه من مشروعات، وإنما بقدرتها على توفير بيئة استثمارية مستقرة وعادلة، تضمن المنافسة، وتحمي المستثمر، وتُرسخ الشفافية. ومن ثم،
فإن نجاح هذه السياسة لن يكون بعدد الأصول التي تنتقل إلى القطاع الخاص، وإنما بزيادة معدلات الاستثمار، ورفع الإنتاجية، وتوسيع القاعدة الصناعية، وتحسين ترتيب مصر في مؤشرات التنافسية العالمية.
ولم يغفل الخطاب البعد الاجتماعي، إذ جاء تكليف جهاز مستقبل مصر بإعداد برنامج لتخفيف الأعباء المعيشية وضمان توافر السلع الأساسية، ليؤكد أن الأمن الاقتصادي للمواطن بات جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي.
ففي ظل ما يشهده العالم من اضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتداعيات الصراعات الدولية، أصبح الأمن الغذائي أحد أهم عناصر استقرار الدول، ولم يعد مجرد ملف اقتصادي أو زراعي، بل تحول إلى قضية استراتيجية تمس الأمن الوطني بصورة مباشرة.
ومن الرسائل اللافتة أيضًا، الدعوة إلى فتح المجال أمام حوار إعلامي يقوم على التعددية والرأي والرأي الآخر، مع عقد اجتماع دوري لمراجعة أوضاع الإعلام.
وتحمل هذه الإشارة دلالة مهمة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الإعلام عالميًا، حيث لم تعد المنافسة بين الصحف والقنوات الفضائية فقط، بل أصبحت مع منصات التواصل الاجتماعي والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، التي باتت تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي.
ولذلك، فإن تطوير الإعلام لا ينبغي أن يقتصر على تحديث المؤسسات، بل يجب أن يشمل بناء منظومة إعلامية أكثر احترافية، تستعيد ثقة الجمهور، وتواجه المعلومات المضللة، وتقدم محتوى قادرًا على المنافسة في العصر الرقمي.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن تنشيط الحياة السياسية، من خلال التأكيد على أهمية إجراء انتخابات المجالس المحلية، باعتبارها ركيزة أساسية لتوسيع المشاركة الشعبية، وإعداد كوادر سياسية جديدة، وتعزيز الرقابة المحلية، وإشراك المواطنين في صناعة القرار.
فكلما اتسعت مساحة المشاركة، ازدادت قدرة الدولة على تجديد نخبها السياسية والإدارية، وبناء مؤسسات أكثر تفاعلًا مع احتياجات المجتمع.
وفي محور الحوكمة، أكد الخطاب أن مكافحة الفساد ليست مجرد التزام أخلاقي، وإنما ضرورة اقتصادية واستثمارية، لأن كفاءة المؤسسات، ووضوح القواعد، وسيادة القانون، تمثل عناصر أساسية لجذب الاستثمارات، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.
كما أولى الخطاب اهتمامًا خاصًا بملف التعليم، من خلال التأكيد على ضرورة ربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل، وهو ما يعكس إدراكًا بأن الثروة الحقيقية للدول لم تعد في مواردها الطبيعية فقط، بل في قدراتها البشرية، وعقول شبابها، وما يمتلكونه من مهارات الابتكار والإبداع.
وفي السياق نفسه، جاء الحديث عن اكتشاف الموهوبين ورعايتهم باعتباره استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري، فالابتكار أصبح اليوم أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والسياسية، والدول التي تستثمر في العقول منذ المراحل المبكرة، هي الأكثر قدرة على المنافسة عالميًا.
أما إعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فتعكس قناعة واضحة بأن الاقتصادات القوية لا تبنى بالشركات الكبرى وحدها، وإنما تعتمد أيضًا على قاعدة واسعة من المشروعات الصغيرة ورواد الأعمال، الذين يمثلون العمود الفقري للإنتاج، والتشغيل، والابتكار، وزيادة القيمة المضافة.
وعند قراءة هذه التوجيهات مجتمعة، يتضح أنها ليست قرارات منفصلة، بل أجزاء من رؤية استراتيجية متكاملة لإعادة ترتيب أولويات الدولة المصرية خلال المرحلة المقبلة.
فإذا كانت السنوات الماضية قد ركزت على بناء البنية التحتية، وتشييد المدن الجديدة، واستعادة الاستقرار، فإن المرحلة القادمة تبدو أكثر اهتمامًا بتطوير كفاءة المؤسسات، وتعزيز جودة السياسات العامة، وتحسين تنافسية الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للدولة.
وهنا تتجلى الرسالة الأعمق لخطاب “الأوكتاجون”. فالقوة الوطنية الشاملة لم تعد تُختزل في امتلاك السلاح وحده، بل أصبحت ترتكز على بناء اقتصاد مرن، وإعلام مهني، وتعليم عصري، ومؤسسات شفافة، وإدارة كفؤة، ومواطن يمتلك القدرة على المشاركة والإنتاج والابتكار.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بوتيرة غير مسبوقة، فإن الدول التي تحقق التفوق ليست بالضرورة صاحبة القوة العسكرية الأكبر، وإنما صاحبة الرؤية الأكثر وضوحًا، والمؤسسات الأكثر كفاءة، والإنسان الأكثر تأهيلًا.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى خطاب “الأوكتاجون” باعتباره إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة في مسيرة الدولة المصرية، عنوانها تعظيم القوة الوطنية الشاملة، وهي مرحلة لن يُقاس نجاحها بعدد القرارات المعلنة،
وإنما بقدرتها على التحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس، ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.







